تعديل

الشيخ محمد سعيدباصالح

الجمعة، 27 يناير 2017

خطبة ( وكذلك جعلناكم أمة وسطا )

وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا
٢٩|٤|١٤٣٨هالموافق ٢٧|١|٢٠١٧م
جامع الرحمة بالشحر
الخطيب/ محمد بن سعيد باصالح
الخطبة الأولى
أيها المسلمون، يقول الله عز وجل: ( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ).
( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا ) أي؛ عدْلًا خيارًا، وما عدا الوسَط فأطرافٌ داخلةٌ تحت الخطر، فجعل الله هذه الأمة، وسطًا في كل أمور الدين، وسطًا في الأنبياء، بين من غلا فيهم كالنصارى، وبين من جفاهم كاليهود، بأن آمنوا بهم كلِّهم على الوجه اللائق بذلك، ووسطًا في الشريعة، لا تشديداتُ اليهود وآصارُهم ولا تهاونُ النصارى.
وفي باب الطهارة والمطاعم، لا كاليهود الذين لا تصح لهم صلاة إلا في بِيَعِهِم وكنائسِهم، ولا يطهّرهم الماءُ من النجاسات، وقد حُرِّمت عليهم الطيبات عقوبةً لهم، ولا كالنصارى الذين لا ينجسون شيئًا، ولا يُحرِّمون شيئًا, بل أباحوا ما دبَّ ودرَج.
بل طهارتهم أكملُ طهارة وأتمُّها، وأباح الله لهم الطيبات من المطاعم والمشارب والملابس والمناكح، وحرَّم عليهم الخبائث من ذلك، فلهذه الأمة من الدين أكملُه، ومن الأخلاق أجلُّها، ومن الأعمال أفضلُها.
ووهبهم الله من العلم والحلم، والعدل والإحسان، ما لم يهبْه لأمة سواهم؛ فلذلك كانوا ( أُمَّةً وَسَطًا ) كاملين ليكونوا ( شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ) بسبب عدالتهم وحُكمهم بالقسط، يحكمون على الناس من سائر أهل الأديان، ولا يحكم عليهم غيرهم، فما شهدت له هذه الأمة بالقبول، فهو مقبول، وما شهدت له بالرد، فهو مردود..
فإن شك شاكٌّ في فضلها، وطلب مزكِّيًا لها، فهو أكمل الخلق، نبيُّهم صلى الله عليه وسلم، فلهذا قال تعالى: ( وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ).
ومن شهادة هذه الأمة على غيرهم، أنه إذا كان يومُ القيامة، وسأل اللهُ المرسلين عن تبليغهم، والأممَ المكذبةَ عن ذلك، وأنكروا أن الأنبياء بلّغتهم، استشهدت الأنبياءُ بهذه الأمة..
وفي الآية دليل على أن إجماع هذه الأمةِ حجةٌ قاطعة، وأنهم معصومون عن الخطأ؛ لإطلاق قوله: ( وَسَطًا ) فلو قُدِّر اتفاقُهم على الخطأ لم يكونوا وسطًا، إلا في بعض الأمور.
وقوله: ( لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ) يقتضي أنهم إذا شهدوا على حُكم أن الله أحلّه أو حرّمه أو أوجبه، فإنها معصومة في ذلك. وفيها اشتراط العدالة في الحكم والشهادة والفُتيا، ونحو ذلك.
أمة الإٍسلام، ومن الأسباب المؤدية إلى لزوم الوسطية والاعتدال والتوازن ( العلمُ بالشرع والبصيرةُ في الدين ) فكلما وجد العلم بأصول هذا الدين ومقاصدِه ووُزِنت الحركات بميزان الشرع كانت الأقوالُ والأفعال والمعتقدات مسدّدةً قويمةً عادلةً متوازنة. وعلى العكس من ذلك؛ فإن مجاوزة العدل والوسطية والتوازن في الأقوال والأعمال والمعتقد من أسبابها الجهلُ بهذا الدين وقواعدِه ومقاصدِه وأحكامهِ وعدمُ الوزن بميزان الشرع القويم.
يقول الإمام ابن القيم -رحمه الله- : ( .. لا يُتصوَّر حصولُ الاستقامة في القول والعمل والحالِ إلا بعد الثقة بصحّة ما معه من العلم، وأنه مقتبسٌ من مشكاة النبوة، ومن لم يكن كذلك فلا ثقة له ولا استقامة ).
كما أن في العلم حرقاَ للشبهات التي عادةً ما تكون سببًا رئيسًا في مجاوزة العدل والوسط: إما إلى إفراط، أو إلى تفريط؛ كما هو شأن أهل البدع والأهواء المتقابلة، والتي تَراوح بين الغلو والإفراط وبين الجفاء والتفريط.
ومن الأسباب المؤدية إلى لزوم الوسطية والاعتدال والتوازن ( مصاحبةُ أهل العلم الربانيين وأهلِ الحكمة ) فإنَّ في مصاحبةِ أهلِ العلم الربانيين وأهلِ الحكمةِ والتجربة من الدعاة الصادقين المعروف عنهم العدلُ والتوازنُ نفعًا عظيمًا؛ لأن الصاحب يؤثّر على صاحبه فينطبع بأخلاقه ومنهجِه. ومما يلحق بذلك مصاحبةُ السلف الصالح في كتبهم وقراءةُ سيَرِهم وما كانت عليه من العدل والتوازن والتوسط بين الإفراط والتفريط. فهذا مما يُؤثِّر في صياغة التفكير والسلوك.
ومن الأسباب المؤدية إلى لزوم الوسطية والاعتدال والتوازن ( مجانبةُ من يعرف عنهم التسرعُ في الأمور ) فإنَّ في مجانبةِ من يُعرَف عنهم التسرعُ في الأمور والميلُ إما إلى الإفراط أو إلى التفريط، - سواء من بعض طلبة العلم المتعجِّلين أو بعضِ المنتسبين للدعوة الذين زادُهم من العلمِ قليل وحظُّهم من التجربة والحكمةِ ضئيل - في مجانبتهم حماية من الوقوع في مجاوزة العدل. وهذا أيضًا يسري على الكتب والمؤلفات التي يَغلِب على أصحابها قلّةُ العدل والتوازن، وعدمُ التأني في المواقف والأحداث؛ حيث ينبغي الإعراضُ عن مثل هذه الكتب والحذر منها. وأولُ ما يدخل في هذا كتبُ أهلِ البدع والشبهات والأهواء والشهوات الذين هم بين غالٍ مفْرِط أو مضيّعٍ مفرِّط.
ومن الأسباب المؤدية إلى لزوم الوسطية والاعتدال والتوازن ( العملُ الصالح بأداء الفرائض وكثرة النوافل ) فقد جاء في الحديث الصحيح: ( وما تقرّب إليّ عبدي بشيء أحبَّ إليّ مما افترضتُه عليه، وما يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبَّه، فإذا أحببتُه كنتُ سمعَه الذي يسمع به، وبصرَه الذي يُبصر به، ويدَه التي يبطش بها، ورجلَه التي يمشي بها.. ). فمن هذا الحديث يتبين فضل الأعمال الصالحة وآثارها في حفظ الله عز وجل لعبده المؤمن الذي هذا شأنُه؛ وذلك بحفظ جوارحه فلا يتحرك إلا في مرضاة الله، ولا يبصر إلا بالله، ولا يسمع إلا بالله؛ ومن هذا شأنُه فهو الموفق للحق والعدل والسداد.
ومن الأسباب المؤدية إلى لزوم الوسطية والاعتدال والتوازن ( الرفق والأناةُ وعدمُ التعجل ) فإن العجلة والتسرعَ وتركَ التُؤدةَ لهي من أخطر الأبواب التي تدخلُ منها الشبهات والشهوات، وتجعلُ العبد يميلُ إما إلى الإفراط أو التفريط - سواء في المعتقد أو القول أو العمل - والعكسُ من ذلك في الأناة والرفق؛ فإنهما غالبًا ما يكونان بابًا إلى التعقل والحكمة والسداد في القول والعمل.
ومن الأسباب المؤدية إلى لزوم الوسطية والاعتدال والتوازن (  التواصي بالحق والتناصحُ بين المسلمين ) وهذا من أعظم ما يُسَدُّ به بابُ التطرف والغلو والإفراط والتفريط؛ فكلما كثُر التناصحُ بين المسلمين والتواصي بالحق والأمرُ بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوةُ إلى الله عز وجل كان في ذلك الاهتداءُ إلى الحق ومدافعةُ الباطل بشبهاته وشهواته. وعلى العكس من ذلك؛ فعندما يضعف التناصحُ والتواصي بالحق، ويقِلُّ الأمرُ والنهي فإن الأفكار المنحرفة تنتشر بين الناس من غير إنكار، فتتشرّبُها القلوبُ وتستحسنُها العقول، وأصحابُها يحسبون أنهم يحسنون صنعًا.
ومن الأسباب المؤدية إلى لزوم الوسطية والاعتدال والتوازن ( الصبرُ وتقوى الله عز وجل ) قال الله - عز وجل -: ( إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ) وقال - تعالى -: ( وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ) وقال عز وجل: ( وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ).
ويقول الإمام ابن القيم - رحمه الله -: ( فالصبر والتقوى دواء كل داء من أدواء الدين ولا يستغنى أحدهما عن صاحبه ).
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله-: ( فالتقوى تتناول فعل المأمور وترك المحظور، والصبر يتضمن الصبر على المقدور ).
إذن فلزوم الاستقامة والعدل والتوازن في الأمور لا بد له من تقوى الله عز وجل، والخوفِ من عقابه، ورجاءِ ثوابه، والصبرِ على ذلك؛ لأن العلمَ بالشرع لا يكفي وحده في لزوم الوسطية والعدل وإصابةِ الحق إن لم يكن معه التقوى والصبر؛ فكم ممن يتجاوز العدل والحق إما لضعف دينه وتقواه، وإما لضعف صبره وتحمله.
أقول قولي هذا وأستغفر الله..
الخطبة الثانية
أيها المسلمون، ومن الأسباب المؤدية إلى لزوم الوسطية والاعتدال والتوازن ( دعاء الله عز وجل وسؤاله الهداية إلى الحق ولزومه ) فالدعاء من أعظم الوسائل والأسباب في لزوم الحق والعدل؛ لأن الله عز وجل هو الهادي والموفق إلى الحق والعدل، فلا هادي لمن أضل ولا مضل لمن هدى. قال الله عز وجل: ( يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ ).
فمن سأل الله عز وجل الهداية للحق بصدق وإخلاص وأخذَ بالأسباب المعينة على ذلك أعطاه الله سؤاله ولم يخيب رجاءه. ومن أنفعِ الأدعية وأجمعِها ذلك الدعاءُ الذي كان يدعو به الرسول صلى الله عليه وسلم حين يستفتح صلاته في الليل ( اللهم ربَّ جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطرَ السموات والأرض عالمَ الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم ) وقوله عليه الصلاة والسلام: ( يا مقلِّبَ القلوب ثبِّتْ قلبي على دينك ) وقوله صلى الله عليه وسلم: ( اللهم إني أسألك الهدى والسداد ) وقوله صلى الله عليه وسلم لعلي رضي الله عنه: ( قل: اللهم اهدني وسددني، واذكر بالهدى هدايتَك الطريق، والسدادِ سدادَ السهم ).
ألا صلوا وسلموا على سيد الأولين والآخرين..

0 التعليقات:

إرسال تعليق

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More