تعديل

الشيخ محمد سعيدباصالح

الجمعة، 1 يونيو 2018

شهر التغيير

شهر التغيير
١٦|٩|١٤٣٩هـالموافق ١|٦|٢٠١٨م
جامع الرحمة بالشحر
الخطيب / محمد بن سعيد باصالح
الخطبة الأولى
أيها المسلمون، يأتي رمضان ليمنحنا فرصة في التغيير الشامل في الأفكار والهموم والأخلاق والعلاقات والعبادات.. فهو فرصة للإقبال على الله والتوبة من الذنوب والخروج من الظلمات والتحرر من العبودية للشيطان الرجيم، وإذا لم يتب الإنسان في رمضان فمتى يتوب! وإذا لم يرجع إلى ربه في شهر الخير فمتى يئوب!
وأول ما يجب تغييره في رمضان الأخلاق السيئة فيجب التخلص منها واكتساب الأخلاق الحسنة والتدرب عليها فهذا الدين دين الأخلاق قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق " وفي رواية " مكارم الأخلاق ".
والخلق الحسن هو بذل المعروف وكف الأذى وطلاقة الوجه، وهو مخالطة الناس بالجميل والبشر والتودد لهم والإشفاق عليهم واحتمالهم والحلم عنهم والصبر عليهم في المكاره وترك الكبر والاستطالة عليهم ومجانبة الغلظة والغضب والمؤاخذة.
وتغافل عن أمور إنه *
لم يفز بالحمد إلا من غفلْ
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خلقًا فكان خلقه القرآن وما تفرق من مكارم الأخلاق في أكارم العالمين من الأنبياء والأتقياء والصالحين تجمع في شخصه الكريم صلى الله عليه وسلم.
ورمضان فرصة لتجديد العلاقة مع القرآن، فكيف أنت مع القرآن؟ كم تقرأ في اليوم والليلة؟ هل لك ورد من القرآن لا تتركه؟
لقد فهم السلف الصالح أن وظيفة رمضان الكبرى هي الاعتناء بالقرآن فكانوا يقومون به بالليل ويتلونه ويعملون به بالنهار وكان الغالب عليهم في رمضان القراءة والصلاة والصدقات سئل الزهري رحمه الله عن العمل في رمضان فقال: " إنما هو تلاوة القرآن وإطعام الطعام ".
وقال الحسن بن علي رضي الله عنهما: " إن من كان قبلكم رأوا القرآن رسائل من ربهم فكانوا يتدبرونها بالليل ويتفقدونها بالنهار ".
وكان السلف يحزّبون القرآن، والحزب أو الورد قدر ثابت من القراءة كل يوم يوصل إلى ختم القرآن في شهر أو عشر ليال أو سبع أو خمس أو ثلاث – مثلًا-.
فليكن لك ورد من القرآن في رمضان وفي غير رمضان لا تتركه قال النبي صلى الله عليه وسلم: " من نام عن حزبه أو عن شيء منه فقرأه فيما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر كتب له كأنما قرأه من الليل ".
ورمضان فرصة لتربية الأولاد ورعاية الأسرة والاهتمام بها في العبادات والأخلاق وتوجيههم وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر قال تعالى: " وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقًا نحن نرزقك والعاقبة للتقوى " وأشاد القرآن بإسماعيل عليه السلام لأنه كان يأمر أهله بالصلاة والزكاة..
ورعاية الأسرة والاهتمام بها واجب في رمضان وغير رمضان لكنه في رمضان آكد لأنه فرصة للتغيير والهداية وتقويم السلوك والأخلاق وتجديد الإيمان وزيادته..
ورمضان بمثابة مخيم إيماني للأسرة لمدة شهر كامل فعلى رب الأسرة متابعة الأولاد في الصلاة والصيام وقراءة القرآن واستغلال الوقت والاستفادة من رمضان وعليه حمايتهم من لصوص الأوقات الذين يسرقون القلوب في أيام الطاعة ومواسم الخير وساعات الإقبال على علام الغيوب.
ورمضان فرصة لصلة الأرحام وإصلاح ذات البين وتناسي الخصومات وفتح صفحة جديدة من الود والصفاء والتسامح فصلة الأرحام من المعالم الكبرى للرسالة المحمدية قال أبو سفيان لهرقل لما سأله بم يأمركم؟ قال: يأمرنا بالصلاة والزكاة والصلة والعفاف.
وقال تعالى: " والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب " فصلة الأرحام برهان صلاح الباطن بخشية الله والخوف من سوء الحساب وصلاح الظاهر بحسن الخلق، والواصلون يصلهم الله ويرحمهم ويدافع عنهم ويكرمهم ويزيد أرزاقهم وأعمارهم ويحميهم من الكوارث والمصائب والآفات قالت خديجة للنبي صلى الله عليه وسلم لما قال لها عند نزول الوحي عليه أول مرة: " لقد خشيت على نفسي " قالت: كلا والله ما يخزيك الله أبدًا؛ إنك لتصل الرحم وتحمل الكل وتكسب المعدوم وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق.
ومن وصل رحمه وصله الله ومن قطع رحمه قطعه الله قال النبي صلى الله عليه وسلم: " إن الله خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم قامت الرحم فقالت: هذا مقام العائذِ بكَ من القطيعة. قال: نعم، أما ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك؟ قالت: بلى. قال: فذاك لك " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فاقرأوا إن شئتم ( فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ. أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ ).
والصلة تحتاج إلى جهد كبير للإبقاء عليها صافية نقية وتحتاج إلى جهد أكبر لإعادتها إلى ما كانت عليه إذا عصفت بها العواصف حيث تبرز الحاجة لإصلاح ذات البين.
ورمضان من أعظم مناسبات هذا الإصلاح فهو موسم مهيـأ للبر والصلة وترميم العلاقات مع الأهل والأرحام. وشر القطيعة قطيعة الوالدين وهي أكبر الكبائر بعد الشرك. وأي صيام ينفع وأي قيام يفيد وأنت قاطع لوالديك!
فلا تضيع صيامك بقطعهما بل صل نفسك بوصلهما فالجنة في رضائهما وخاصة الأم التي لا تُؤَم الجنة دون رضاها ولا يَشُم شذَاها من آذاها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الزمها؛ فإن الجنة تحت رجليها ".
وإذا قطعت رحمك فلا تقطعها وإذا أساءت فلا تسئ إليها فليس الواصل بالمكافئ ولكن الواصل من إذا قطعت رحمه وصلها.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
أيها المسلمون، كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر شد مئزره وأحيا ليله وأيقظ أهله. وكان يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيره.
وشد المئزر كناية عن الاستعداد للعبادة والاجتهاد لها زيادة عن المعتاد، وأيقظ أهله يعني نبههن للعبادة وحثهن عليها.
وكان يعتكف في العشر الأواخر ليتفرغ للعبادة والاعتكاف هو عكوف النفس على الطاعة والمراقبة والمحاسبة والتفكر وروح الاعتكاف هو تخلية القلب لله والإلحاف في طلب عفوه والإلحاح في نيل رضاه قال عطاء - رحمه الله - : مثل المعتكف كرجل له حاجة إلى عظيم فجلس على بابه ويقول: لا أبرح حتى تقضي حاجتي، وكذلك المعتكف يجلس في بيت الله ويقول: لا أبرح حتى يغفر لي.
نسأل الله أن يغفر لنا أجمعين ويهب المسيئين منا للمحسنين، ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم، اللهم أعتق رقابنا من النار واجعلنا من عتقاء شهر الصيام، اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنا..
ألا صلوا وسلموا على سيد الأولين والآخرين..

0 التعليقات:

إرسال تعليق

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More